أحمد زكي صفوت

348

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

235 - خطبة أخرى للإمام وخطب الإمام على ذلك اليوم أيضا ، فقال : « أيها الناس : إن اللّه تعالى ذكره ، قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب ، وتشفى « 1 » بكم على الخير ، إيمان باللّه ورسوله ، وجهاد في سبيله ، وجعل ثوابه مغفرة الذنوب ، ومساكن طيّبة في جنّات عدن ، ورضوان من اللّه أكبر ، وأخبركم بالذي يحب فقال : ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ، كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) فسوّوا صفوفكم كالبنيان المرصوص ، وقدّموا الدارع ، وأخّروا الحاسر ، وعضّوا على الأضراس ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام ، وأربط للجأش ، وأسكن للقلوب ، وأميتوا الأصوات ، فإنه أطرد للفشل ، وأولى بالوقار ، والتووا في أطراف الرّماح ، فإنه أمور « 2 » للأسنّة ، ورايتكم فلا تميلوها ، ولا تزيلوها ، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم ، المانعى الذّمار « 3 » ، والصّبر عند نزول الحقائق ، أهل الحفاظ الذين يخفرون « 4 » برايتكم ويكنفونها يضربون خلفها وأمامها ، ولا يضيّعونها ، أجزأ كلّ امرئ مسلم قرنه « 5 » ، وواسى أخاه بنفسه ، ولم يكل قرنه إلى أخيه ، فيجمع عليه قرنه وقرن أخيه ، فيكسب بذلك اللائمة ، ويأتي به دناءة ، أنّى هذا ، وكيف يكون هذا ؟ هذا يقاتل اثنين ، وهذا ممسك يده ، قد خلّى قرنه إلى أخيه هاربا منه ، أو قائما ينظر إليه ؟ من يفعل هذا مقته اللّه ، فلا تعرّضوا لمقت اللّه ، فإنما مردّكم إلى اللّه ، قال اللّه تعالى لقوم عابهم : ( لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ، وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا

--> ( 1 ) أشفى عليه : أشرف . ( 2 ) اسم تفضيل من مار ، سهم مائر : أي خفيف نافذ داخل في الأجسام . ( 3 ) ما يلزمك حفظه وحمايته . ( 4 ) خفره وبه وعليه يخفر بكسر الفاء وضمها : أجاره ومنعه وآمنه . ( 5 ) القرن : كفؤك في الشجاعة ( أو عام ) وأجزأه : أغناه وكفاه .